منتديات سكون الليل

منتديات سكون الليل (http://www.selayl.com/vb/index.php)
-   ❀ سكون لمعتقل الارواح ❀ (http://www.selayl.com/vb/forumdisplay.php?f=28)
-   -   أسراب مُهاجرة (http://www.selayl.com/vb/showthread.php?t=19935)

مُهاجر 11-Oct-2025 12:03 AM

أسراب مُهاجرة
 
من العبث...
أن تمضي ثواني عمرك، بل أنفاسك، في مراقبة مَن أحببته يومًا،
تتابع خطواته، تترصّد حضوره وغيابه،
تفتّش في كلماته، وتُعيد تأمّل صمته،
وكأنك تبحث عن إشاراتٍ خفيّة تدلّ على أنه لا يزال يذكرك...
بينما، في ذات اللحظة،
تمضي جاهدًا في طمس كل ملامحه من ذاكرتك،
تحاول دفن صوته، وضحكته، ووجهه الذي كان يومًا مأوى روحك،
في قبرٍ موحشٍ اسمه النسيان.

أيّ عبثٍ هذا؟
أن تنقسم داخليًا بين قلبٍ لا يزال ينبض له،
وعقلٍ يوبّخك كل مساء لأنك لم تتجاوز بعدُ تلك الحكاية.
أن تحمل في يدك وردة الذكرى، وفي الأخرى مجرفة النسيان.
أن تبني له ضريحًا في وجدانك، ثم تجلس عنده تبكي،
وترجوه أن يرحل!

إنه العبث بعينه...
أن ترفض الاعتراف بأنك ما زلت تحبه،
وتحاول في كل تصرّف أن تُقنع نفسك بأنك تعافيت،
بينما تنهار كل تلك الادّعاءات في لحظة سماع اسمه،
أو حين يمرّ طيفه في ذاكرتك فجأة، بلا استئذان.
إنه العبث...
حين تتحوّل من عاشقٍ كان يمنح بلا حساب،
إلى حارسٍ لذاكرةٍ تتآكل،
يخشى أن ينسى، ويخشى أن يتذكّر... في آنٍ واحد.

لكن...
رغم كلّ هذا التيه،
ستصل يومًا إلى الضفّة الأخرى من نفسك،
إلى حيث لا ينتظرك طيفه، ولا تُطاردك ملامحه،
حين تتعلّم أن الذكرى ليست قيدًا، بل درس،
وأن الحب الذي لم يُكتَب له البقاء،
ليس نهاية... بل بداية جديدة لذاتك.

ستشفى، ولو بعد حين،
وستضحك من قلبك، لا من ذكراك،
وتمضي نحو مَن يستحق أن يُكتَب في فصولك القادمة،
لا في هوامش ماضيك.

مُهاجر 11-Oct-2025 12:09 AM

وَلِتلكمُ الريحُ التي
كشفتْ عُرْيَ الزَّيْفِ في وضحِ النهارْ،
ومزّقتْ سِتْرَ الخداعِ،
وقطّعتْ وَريدَ وجهٍ كان يبتسمُ…
وفي فمهِ سُمُّ القرارْ.

طالَتْ أيّامٌ،
فتناسلتْ أعوامُها المُرَّة،
ولا ملامحَ للغدرِ على الوجوهِ،
سوى ابتسامةٍ صفراءَ…
تُخفي خلفها خناجرًا سوداءَ،
وأضغانًا عششتْ
في قلبِ إنسانٍ بلا أوتارْ.

يتحيّنُ الفرصَ،
يراقبُ الغفلةَ…
يُبقي الخلاصَ مُكبَّلَ اليدين،
ويُنْبِتُ في فمِ العدلِ ألفَ مِزمارْ،
لكنه لا يُغنّي،
بل ينفخُ في جمرِ الألمِ،
وينتظرُ موعدَ التأبينِ
ليجهّزَ مَراسمَ الرحيل…
لمن كانَ يظنُّ النجاةَ اختيارْ.

أهكذا تُولدُ الحكايا؟
من رحمِ ريحٍ لا تملكُ بيتًا،
ولا ذاكرةً تأوي إليها؟
أهكذا تُكْتَبُ النهايةُ،
في صفحةٍ نُسيتْ على قارعةِ الانتظارْ؟
لكنّ للريحِ ذاكرة،
تحملُ أنينَ الجدرانِ،
وصوتَ العيونِ التي لم تَبُحْ،
وتاريخَ الأيادي التي امتدتْ
لا للمصافحة،
بل لتُسقطَ الستارْ.

ومع هذا...
ففي الريحِ بُشرى لمن صبر،
وفي انكشافِ الزيفِ نورٌ،
وفي انكسارِ الثقةِ ولادةُ بصيرة،
فما من ريحٍ تشتدُّ إلا لتُمهّد للسكينة،
وما من خيبةٍ،
إلا وتُغلقُ بابًا… لتفتحَ ألفَ دارْ.


الساعة الآن 11:58 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir