ننتظر تسجيلك هـنـا

{ فعاليات سكون الليل ) ~
                      



۩۞۩ سكون الركن الإسلامي ۩۞۩ !~ فِي رِحَابِ الإيمَانْ " مَذْهَبْ أهْلُ السُنَةِ وَالجَمَاعَة"*~ !!~

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-Nov-2025, 12:14 PM   #1
 
الصورة الرمزية طيف
 
تاريخ التسجيل: Apr 2025
المشاركات: 185,803
معدل تقييم المستوى: 30
طيف has a reputation beyond reputeطيف has a reputation beyond reputeطيف has a reputation beyond reputeطيف has a reputation beyond reputeطيف has a reputation beyond reputeطيف has a reputation beyond reputeطيف has a reputation beyond reputeطيف has a reputation beyond reputeطيف has a reputation beyond reputeطيف has a reputation beyond reputeطيف has a reputation beyond repute
افتراضي إجلال القرآن (خطبة)

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونستعينُهُ، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، مَنْ يهدِ اللهُ فلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ - صَلَّى اللهُ عليهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا. أمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ - عِبَادَ اللهِ - حقَّ التَّقْوَى؛ واعلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى. وَاِعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِّ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.



عِبَادَ اللَّهِ:

حَدِيثُنَا الْيَوْمَ عَنْ إِجْلَالِ الْقُرْآنِ، هَذَا الْكِتَابِ الْعَظِيمِ الَّذِي نَزَلَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، مِنْ عِظَمِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الحشر: 21] فَعِظَمُ الْقُرْآنِ يَعْرِفُهُ مَنْ كَانَ حَيَّ الْقَلْبِ، فَالْجَبَلُ عَلَى ثَبَاتِهِ وَقُوَّتِهِ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ لَتَصَدَّعَ وَتَفَتَّتَ، حَتَّى تَقُومَ كُلُّ ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِهِ فَتَنْقَادُ لِرَبِّهَا.



عِبَادَ اللَّهِ:

حِينَمَا نَنْظُرُ فِي حَالِ فِئَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ النَّاسِ لَيْسَتْ بِالْقَلِيلَةِ، وَلَيِسَتْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِالْأَكْثَرِيَّةِ، مِنَ الِانْشِغَالِ عَنِ الْقُرْآنِ وَسُرْعَةِ قَطْعِ تِلَاوَتِهِ عِنْدَ أَيِّ عَارِضٍ، وَهَذَا أَمْرٌ يُحْزِنُ الْقُلُوبَ الْمُؤْمِنَةَ، وَسَوْفَ أَذْكُرُ قِصَّةً رَوَاهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ لَا يَقِلُّ عَنِ الْحَسَنِ، قِصَّةٌ لَوْ لَمْ تَثْبُتْ لَظَنَّهَا مَنْ لَا يَعِي قِيمَةَ الْقُرْآنِ أَنَّهَا صَعْبَةُ الْحُصُولِ، وَلَكِنَّهَا قِصَّةٌ ثَبَتَتْ، وَمُلَخَّصُهَا: أَنَّ صَحَابِيًّا كُلِّفَ بِحِرَاسَةِ جَيْشٍ كَانَ يَقُودُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَثْمِرَ وَقْتَهُ، وَأَنْ يَغْتَنِمَ اللَّيْلَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ، فَلَاحَظَ أَحَدُ الْأَعْدَاءِ هَذَا الصَّحَابِيَّ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَنَزَعَهُ الصَّحَابِيُّ، وَاسْتَمَرَّ فِي صَلَاتِهِ، وَلَكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ سَهْمًا يُطْلَقُ، وَلَوْ وَقَعَ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ جَسَدِهِ لَكَانَ مُؤْلِمًا، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَمَا كَانَ مِنَ الصَّحَابِيِّ إِلَّا أَنْ نَزَعَهُ، وَاسْتَمَرَّ فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ ثَالِثٍ فَنَزَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ وَأَنْهَى صَلَاتَهُ، وَأَيْقَظَ مَنْ كُلِّفَ مَعَهُ بِالْحِرَاسَةِ، الَّذِي ذُهِلَ مِنْ هَذِهِ الدِّمَاءِ الَّتِي يَرَاهَا، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ!! هَلَّا أَهْبَبْتَنِي! فَمَا كَانَ مِنْ هَذَا الصَّحَابِيِّ إِلَّا أَنْ قَالَ: (كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَأُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ عَلَيَّ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَأَرَيْتُكَ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحِفْظِهِ لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أُنْفِذَهَا). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ.



لَقَدْ كَادَ هَذَا الصَّحَابِيُّ أَنْ يَنْقَطِعَ نَفْسُهُ، وَيَهْلَكَ مِنَ السِّهَامِ الْمُتَوَالِيَةِ عَلَى جَسَدِهِ، وَلَمْ يَأْبَهْ بِهَا، وَذَلِكَ مِنْ عِظَمِ الْقُرْآنِ فِي قَلْبِهِ، فَلَمْ يُوقِفِ التِّلَاوَةَ، وَاسْتَمَرَّ يَتَلَقَّى السِّهَامَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقْطَعِ الصَّلَاةَ وَالتِّلَاوَةَ؛ تَعْظِيمًا وَتَأَدُّبًا مَعَ كَلَامِ اللَّهِ، وَاحْتِرَامًا لَهُ، فَلْنُقَارِنْ حَالَنَا مَعَ حَالِهِ، فَغَالِبُنَا يَقْطَعُ التِّلَاوَةَ عِنْدَ أَيِّ عَارِضٍ، بَلْ تَجِدُ بَعْضَ مَنْ يَقْرَأُونَ فِي هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ يَقْطَعُ التِّلَاوَةَ عَشَرَاتِ الْمَرَّاتِ؛ لِمُعَايَنَةِ رِسَالَةٍ، أَوْ مُتَابَعَةِ تَغْرِيدَةٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ يَشْرَعُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَيَأْتِي صَدِيقٌ لَهُ أَوْ مُصَلٍّ فِي جِوَارِهِ فَيَقَطْعَا التِّلَاوَةَ وَيَتَفَرَّغَا لِلْمُحَادَثَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ، وَقَدْ تَأْتِيهِ مُكَالَمَةٌ وَهُوَ يَتْلُو الْقُرْآنَ فَيُرَدُّ عَلَيْهَا دُونَ مُبَالَاةٍ أَوْ تَوْقِيرٍ لِلْقُرْآنِ، وَالْأَدْهَى وَالْأَمَرُّ إِنْ كَانَ تَوَقُّفُهُ عِنْدَ آيَةٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهَا فَيَخْتَلَّ مَعْنَاهَا، وَيُحَرِّفَهَا عَنْ مَقْصِدِهَا، فَعَجَبًا وَاللَّهِ مِنْ حَالِنَا مُقَارَنَةً مَعَ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ الَّذِي لَمْ يَأْبَهْ بِسِهَامٍ صُوِّبَتْ نَحْوَ جَسَدِهِ مَعَ شِدَّةِ آلَامِهَا، فَكَيْفَ تَحَمَّلَهَا؟ إن قوة الإيمان واليقين تفعل بصاحبها الأفاعيل.



عِبَادَ اللَّهِ:

إِنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا لَوْ أَصَابَتْهُ شَوْكَةٌ أَوْ وَخَزَتْهُ إِبْرَةٌ لَصَرَخَ مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ، بَلْ لَوْ كَانَ فِي أُصْبُعِهِ لَحْمٌ مَيِّتٌ يَحْتَاجُ لِنَزْعِ لَسَعَى الْبَعْضُ لِوَضْعِ بَنْجٍ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَشْعُرَ بِالْأَلَمِ عِنْدَ نَزْعِهِ، أَتَظُنُّونَ أَنَّ هَذَا الصَّحَابِيَّ رضي الله عنه لَا يَتَأَلَّمُ؟ فقطعاً إنه يتألم فَالْبَشَرُ طَبِيعَتَهُمْ وَاحِدَةٌ، لَكِنْ تَوْقِيرُ الْقُرْآنِ دَفَعَهُ لِهَذَا التحمل وتلك التضحية، لَا نَطْلُبُ مِنْ أَنْفُسِنَا أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ، وَلَكِنْ لَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ نُعَظِّمَ الْقُرْآنَ ولا نقطع التلاوة عند أدنى عارض، فَعَلَيْنَا أَنْ نُعِيدَ تَرْبِيَتَنَا مِنْ جَدِيدٍ، وَنَجْعَلَ هَذَا الصَّحَابِيَّ لَنَا قُدْوَةً، فَمَنْ عَظَّمَ اللَّهِ عَظَّمَ كِتَابَهُ.



عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْقِيرِ الْقُرْآنِ اجْتِنَابَ الضَّحِكِ وَاللَّغَطِ وَالْحَدِيثِ خِلَالَ الْقِرَاءَةِ، إِلَّا كَلَامًا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ اضْطِرَارًا، أَمَّا مَا نُشَاهِدُهُ مِنْ تَوَقُّفِ بَعْضِ النَّاسِ عِنْدَ التِّلَاوَةِ لِيَتَجَاذَبَ أَطْرَافَ الْحَدِيثِ، وَهُمَا فِي رَوْضَةِ الْمَسْجِدِ بل وهم يعتبران لجماعة المسجد قُدُوَاتٌ، فَيَتَوَقَّفُ بعضهم عَشَرَاتِ الْمَرَّاتِ عند التلاوة لِلَّهْوِ، بَلْ قَدْ تَكُونُ لِغَيْبَةٍ وَنَقْدٍ لبعض المصلين، وَلْيَنْتَهِ مَنْ يَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ، الَّذِي يَشْغَلُهُ عن قِرَاءَتَهُ، وَيُحْرِمُهُ مِنْ إِتْمَامِهَا وتعظيم آياتها، وَلِذَا كَرِهَ السَّلَفُ - عَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللَّهِ- قَطْعَ التِّلَاوَةِ بِدُونِ عُذْرٍ مُعْتَبَرٍ؛ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ تَعْظِيمِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَلَامُ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَثِّرَ عَلَيْهِ كَلَامُ غَيْرِهِ.



وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «يُسْتَحَبُّ إِذَا أَخَذَ مِنْ سُورَةٍ لَمْ يُشْغَلْ عَنْهَا حَتَّى يَفْرَغَ مِنْهَا إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَخَذَ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَقْطَعْهَا سَاعَةً فَسَاعَةً، وَلَا يُخَلِّلُهَا بِكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَإِنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِالْقُرْآنِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ مُكَالَمَةَ أَحَدٍ فَيُحَدِّثُ غَيْرَهُ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ، فَإِنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ فِي إِتْبَاعِ الْقُرْآنِ بَعْضِهِ بَعْضًا فِي الْقِرَاءَةِ مِنَ الْبَهْجَةِ مَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْإِتْباعِ، وَيَخْفَى عِنْدَ التَّقْطِيعِ، فَلِذَلِكَ كَانَ مَكْرُوهًا». انْتَهَى كَلَامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.



فَانْظُرْ إِلَى دِقَّةِ فِقْهِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الَّذِي أَتَى بِقِيَاسٍ لَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ عَاقِلٌ، حِينَمَا بَيَّنَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَغْضَبُ إِذَا قَطَعْتَ حَدِيثَهُ لِتُحَدِّثَ غَيْرَهُ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ من قطعت مكالمته أَدْنَى مِنْهُ في المنزلة وَللهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، فَالْوَاحِدُ مِنَّا حِينَمَا يَتَلَقَّى اتِّصَالًا هَاتِفِيًّا، ثُمَّ تَأْتِيهِ مُكَالَمَةٌ أُخْرَى، فَيَجْعَلُ الْأَوَّلَ عَلَى الِانْتِظَارِ لِيُحَادِثَ الْمُتَأَخِّرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ الَّذِي جُعِلَ عَلَى الِانْتِظَارِ فِي الْغَالِبِ يَغْضَبُ فَيُزْبِدُ وَيَرْعُدُ، وَفِي الْغَالِبِ يَقْطَعُ الْمُكَالَمَةَ مِنْ بَابِ السَّخَطِ ويرفض الانتظار ولو لثوان معدودات، بَلْ وَقَدْ تَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ مَشَادَةٌ وَمُشَاجَرَةٌ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى قَطِيعَةٍ، وَسببها كَيْفَ تَسْتَخِفُّ بِي، وَتَقْطَعُ حَدِيثِي لِتَنْشَغِلَ بِغَيْرِي؟ فَكَيْفَ بِمَنْ قَطَعَ كَلَامَ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ أَجْلِ بَشَرٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ، أَلَا نَخْشَى مِنْ غَضَبِهِ وَسَخَطِهِ؟ لَقَدْ كَانَ سَلَفُ الْأُمَّةِ لَا يَقْطَعُونَ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ إِلَّا مَنْ أَجْلِ بَيَانِ مَعْنًى، أَوْ تَفْسِيرِ آيَةٍ، أَوِ اغْتِنَامِ فَائِدَةٍ، أَوْ نَشْرِ عِلْمٍ، وَشَاهِدْ ذَلِكَ.



وَيُسْتَأْنَسُ فِي اسْتِحْبَابِ اتِّصَالِ الْقِرَاءَةِ وَعَدَمِ قَطْعِهَا: بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، عَنِ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ نَافِعٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حَيْثُ قَالَ: كَانَ ابنُ عُمَرَ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ، قَالَ: تَدْرِي فِيمَ أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ مَضَى.



فَهَذِهِ عَادَةُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ إِلَّا لِأَمْرٍ جَلِيلٍ، وَمَصْلَحَةٍ كَنَشْرِ عِلْمٍ وَنَحْوِهِ نفعنا الله وإياكم بالقرآن العظيم.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

عِبَادَ اللَّهِ:

إِنَّ مَثَلَ هَذِهِ الْقَصَصِ وَالْأَخْبَارِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَخْيَارِ الْمَقْصُودُ فِيهَا الِاقْتِدَاءُ وَالِاتِّبَاعُ، وَهُمْ لَنَا قُدْوَةٌ وَأُسْوَةٌ، قَالَ تَعَالَى: (فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ)، فَعَلَيْنَا وَإِنْ وَقَعْنَا فِي أَخْطَاءٍ فِي الْمَاضِي أَنْ نُعَدِّلَ مِنْ وَضْعِنَا، وَأَنْ نُعِيدَ حِسَابَاتِنَا مِنْ جَدِيدٍ، وَعَلَيْنَا أَنْ نُرَبِّيَ الْأَنْفُسَ وَالْأَوْلَادَ فِي الْمَدَارِسِ وَفِي حِلَقِ التَّحْفِيظِ وَفِي الْبُيُوتِ، فَلَا يَقْطَعُنَا عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ حتى نهاية ما قررنه من مقدار التلاوة أَيُّ عَارِضٍ غَيْرِ ضَرُورِيٍّ، وَعِنْدَ الْقِرَاءَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ نَحْرِصُ عَلَى إِيقَافِ التَّوَاصُلِ بِوَضْعِهِ عَلَى نَمَطِ الطَّيَرَانِ، وإيقاف التعامل مع الشبكات وَالْأَفْضَلُ أَلَّا يَقْرَأَ مِنْ هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ تَوَفُّرِ الْقِرَاءَةِ فِي الْمَصَاحِفِ، فَالْقِرَاءَةُ فِي الْقُرْآنِ لَهَا فَضِيلَةٌ زَائِدَةٌ عَنْ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلى هذه الأجهزة الذي لا يملك الْقُدْرَةِ عَلَى مس الْمُصْحَفِ كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمُحْدِثِ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ، أَمَّا فِي الْمَسَاجِدِ فَإِنَّكَ تَعْجَبُ مِمَّنْ يَحْرِمُ نَفْسَهُ مِنْ فَضْلِ النَّظَرِ وَالْقِرَاءَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، مَعَ تَوَفُّرِهِ بِأَحْجَامٍ مُخْتَلِفَةٍ تُنَاسِبُ الْجَمِيعَ، كَذَلِكَ يَجْدُرُ التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يُضْطَرُّ لِقَطْعِ التِّلَاوَةِ مِنْ غَيْرِ الْحُفَّاظِ، كَحَالِ بَعْضِ الَّذِينَ يُرَاجِعُونَ حِفْظَهُمْ فِي الْمَوَاقِفِ الَّتِي يَطُولُ فِيهَا الِانْتِظَارُ، كَعِنْدَ الْإِشَارَاتِ الَّتِي يَطُولُ الْوُقُوفُ عِنْدَهَا، أَوْ فِي حالات الانتظار في الْمُسْتَشْفَيَاتِ، أَوْ فِي الْمَطَارَاتِ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُضْطَرُّونَ لِقَطْعِ الْقِرَاءَةِ بسبب الحاجة، فَهَؤُلَاءِ يَشْكُرُونَ عَلَى اغْتِنَامِ أَوْقَاتِهِمْ فِي تِلَاوَةِ كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا يُعَدُّ صَنِيعُهُمْ عِنْدَ إِيقَافِ التِّلَاوَةِ بِسَبَبِ إِضَاءَةِ الْإِشَارَةِ أَوِ الْمُنَادَاةِ لَهُمْ عدم توقير القرآن، لِأَنَّ دَافِعَهُمْ إِلَى الْقَطْعِ الْحَاجَةُ وَالضَّرُورَةُ.



وَأَحُثُّ نَفْسِي وَإِخْوَانِي عَلَى أَلَّا نَنْشَغِلَ بِهَذِهِ الْأَجْهِزَةِ فِي بُيُوتِ اللَّهِ، فَهِيَ وَاللَّهِ مُشْغِلَةٌ عَنِ التِّلَاوَةِ وَالْخُشُوعِ، بَلْ هُنَاكَ فِئَةٌ مِنَ النَّاسِ مَا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَّا وَيَقُومُ بِفَتْحِ هَذِهِ الْأَجْهِزَةِ، وَبَعْضُهُمْ قَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا مِمَّنْ لَا يَحْفَظُ الْأَذْكَارَ، وَيَقُومُ بِقِرَاءَتِهَا مِنَ الْجِهَازِ، أَمَّا مَنْ يَقُومُ بِفَتْحِهَا لِاسْتِعْرَاضِ رَسَائِلَ أَوْ مُتَابَعَةِ تَغْرِيدَاتٍ، فَهَذَا وَاللَّهِ مِنَ الْحِرْمَانِ حيث حرم نفسه أجر الأذكار.

الَّلهُمَّ اِحْمِ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الإِسْلَامِ مِنَ الفِتَنِ، وَالمِحَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن، الَّلهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا، لِمَا تُحِبُ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، الَّلهُمَّ اجْعَلْهُ سِلْمًا لِأْوْلِيَائِكَ، حَرْباً عَلَى أَعْدَائِكَ، الَّلهُم ارْفَعْ رَايَةَ السُّنَّةِ، وَأَقْمَعْ رَايَةَ البِدْعَةِ، الَّلهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، ونَسْتَعِيذُ بِكَ مِمَّا اسْتَعَاذَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.



سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين.َوَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...
طيف متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:38 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir