الثمن الخفي
في أحد الأحياء القديمة، حيث المنازل ضيقة والشوارع مزدحمة، كان يعيش علي، موظف حكومي بسيط في إدارة التراخيص. كان يحظى بسمعة حسنة بين زملائه، وكان معروفًا بأنه شخص نزيه ولا يقبل الرشوة، رغم أن ذلك كان أمرًا شائعًا في دائرته.
في يومٍ ما، وبينما كان علي جالسًا في مكتبه يراجع بعض الملفات، دخل سعيد، رجل أعمال صغير يريد تسريع الحصول على رخصة بناء لمشروعه الجديد. جلس سعيد أمام علي وهو يحمل حقيبة صغيرة. بعد تبادل التحايا المعتادة، بدأ سعيد الحديث قائلاً:
سعيد (بنبرة ودية): “أستاذ علي، سمعت أنك من أفضل الموظفين هنا. وأنا في حاجة لتسريع أوراقي. العملية بطيئة، كما تعرف، وأنا لا أملك الكثير من الوقت.”
علي (مبتسمًا بلطف): “نحن نحاول معالجة الطلبات بأسرع وقت ممكن، لكن هناك إجراءات لابد من اتباعها.”
تبادل الاثنان حديثًا قصيرًا حول الإجراءات المعتادة، ثم فجأة وضع سعيد الحقيبة على الطاولة، ودفعها نحو علي.
سعيد (بصوت هادئ): “فهمت، لكن ربما هذه الحقيبة تساعد في تسريع الأمور قليلاً. فيها… شيء رمزي للتعاون.”
توقف علي عن الكتابة ونظر إلى الحقيبة، ثم رفع عينيه ببطء نحو سعيد.
علي (بلهجة حازمة): “هل تقصد رشوة؟”
سعيد (محاولاً الحفاظ على هدوئه): “لا، لا، مجرد هدية. الجميع يفعل ذلك.”
هنا أغمض علي عينيه للحظة وهو يشعر بثقل في قلبه. كانت هذه المرة الأولى التي يُعرض عليه فيها رشوة بشكل مباشر. فتح عينيه مرة أخرى، ونظر إلى سعيد.
علي: “أنا آسف، لكني لا أستطيع قبول هذا. الإجراءات هي نفسها للجميع، ولا يمكنني تجاوزها.”
سعيد (متفاجئًا): “ولكن… الجميع هنا يقبلون! لماذا ترفض؟”
علي (بهدوء): “لأنني أؤمن أن العدالة والنزاهة لا تُشترى. إذا قبلت اليوم، ماذا سأفعل غدًا؟ كيف سأحافظ على احترامي لنفسي ولعملي؟”
أخذ سعيد الحقيبة وعلامات الإحراج على وجهه، ثم وقف بهدوء وغادر المكتب دون أن ينطق بكلمة أخرى.
بعد رحيل سعيد، جلس علي في مكتبه يشعر بالارتياح والقلق في آنٍ واحد. كان يعلم أن مثل هذه المواقف قد تجلب له المتاعب مع بعض زملائه أو حتى رؤسائه. لكنه كان على يقين بأن الحفاظ على نزاهته كان الثمن الذي لا يستطيع التخلي عنه.
|