إتحاف الخيرة بشرح منظومة ابن أبي العز في السيرة (15)
خُلْفٌ . . . . . . .
أي: كانت غزوةُ بني قريظة بعد غزوة الأحزاب، وهناك اختلافٌ بين المؤرخين في تاريخ هاتين الغزوتين[1]، بعدما اتفقوا أن غزوة بني قريظة وقَعت بعد غزوة الأحزاب؛ وذلك لأنها مبنيَّة على خيانة يهودِ بني قُريظة، ونقضهم العهد مع المسلمين يوم الأحزاب.
عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: لما رجَع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخندق، ووضَع السلاح واغتسل، أتاه جبريلُ - عليه السلام - فقال: قد وضعتَ السلاح؟ والله ما وضعناه، فاخرُج إليهم، قال: ((فإلى أين))؟ قال: ها هنا، وأشار إلى بني قريظة، فخرَج النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم[2].
وسارَع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخروج، وحثَّ الصحابة على سرعة اللحاق به، حتى قال لهم - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يصلينَّ أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظة))، فأدرَك بعضُهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نُصلِّي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرِدْ منا ذلك، فذُكِر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنِّفْ واحدًا منهم[3].
واستخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المدينة عبدالله بن أم مكتومٍ، ثم سار إليهم في المسلمين وهم ثلاثةُ آلافٍ، والخيل ستةٌ وثلاثون فرسًا[4].
خروج جبريل - عليه السلام - في كوكبةٍ من الملائكة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بني قريظة:
عن أنس بن مالكٍ - رضي الله عنه - قال: كأني أنظُر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنمٍ، موكب جبريل - صلوات الله عليه - حين سار رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني قريظة[5].
وعن البراءِ بن عازبٍ - رضي الله عنهما - قال: قال رسول اللهُ - صلى الله عليه وسلم - يوم قريظةَ لحسان بن ثابتٍ: ((اهجُ المشركين؛ فإن جبريلَ معك))[6].
ووصَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون إلى بني قريظة، وسمع بنو قريظة بقدوم النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إليهم، فتحصَّنوا في حصونهم.
قال ابن إسحاق - رحمه الله -:
"وحاصَرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسًا وعشرين ليلةً[7]، حتى جهدهم الحصار، وقذَف الله في قلوبهم الرعب.
وقد كان حُيَي بن أخطب دخَل مع بني قريظة في حصنهم، حين رجعت عنهم قريشٌ وغطفان، وفاءً لكعب بن أسدٍ بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا بأن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - غيرُ منصرفٍ عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسدٍ لهم: يا معشر يهودَ، قد نزَل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارضٌ عليكم خِلالاً ثلاثًا، فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرجلَ ونصدِّقُه، فوالله لقد تبيَّن لكم أنه لنبي مرسلٌ، وأنه لَلَّذي تجِدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم.
قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدًا، ولا نستبدل به غيره.
قال: فإذا أبيتم عليَّ هذه، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمدٍ وأصحابه رجالاً مصلتين السيوف، لم نترك وراءنا ثقلاً، حتى يحكم الله بيننا وبين محمدٍ، فإن نهلِكْ نهلِكْ ولم نترك وراءنا نسلاً نخشى عليه، وإن نظهَرْ فلعمري لنجدن النساءَ والأبناء.
قالوا: نقتل هؤلاء المساكين! فما خير العيش بعدهم؟
قال: فإن أبيتم عليَّ هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمدٌ وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمدٍ وأصحابه غرَّةً.
قالوا: نفسد سبتنا علينا، ونُحدِث فيه ما لم يحدث مَن كان قبلنا إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يَخْفَ عليك من المسخ!
قال: ما بات رجلٌ منكم منذ ولدته أمه ليلةً واحدةً من الدهر حازمًا.
فلما أصبَحوا، نزَلوا على حُكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت - وقد كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قبل بني قريظة قد حاصَر بني قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزَلوا على حُكمه، فسأله إياهم عبدُالله بن أبي ابن سلول، فوهبهم له - فلما كلمته الأوس، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكُمَ فيهم رجلٌ منكم))؟ قالوا: بلى، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((فذاك إلى سعدِ بن معاذٍ)).
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جعَل سعد بن معاذٍ في خيمةٍ لامرأةٍ من أسلم، يقال لها: رُفيدة، في مسجده، كانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعةٌ من المسلمين، وكان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: ((اجعَلوه في خيمة رُفَيدة حتى أعودَه من قريبٍ)).
فلما حكَّمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بني قريظة، أتاه قومه فحمَلوه على حمارٍ قد وطؤوا له بوسادةٍ من أدمٍ، وكان رجلاً جسيمًا جميلاً، ثم أقبَلوا معه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يقولون: يا أبا عمرٍو، أحسنْ في مواليك؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما ولاَّك ذلك لتحسنَ فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعدٍ ألا تأخذَه في الله لومةُ لائمٍ"[8].
عن أبي سعيدٍ الخدري - رضي الله عنه - قال: لما نزلت بنو قريظة على حُكم سعد بن معاذٍ، بعث إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان قريبًا منه، فجاء على حمارٍ، فلما دنا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قوموا إلى سيِّدكم)) فجاء، فجلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: ((إن هؤلاء نزَلوا على حُكمك))، قال: فإني أحكُم أن تُقتَل المقاتلة، وأن تُسبَى الذرية، قال: ((لقد حكمتَ فيهم بحكم الملك))[9].
وفي لفظٍ: قال سعدٌ - رضي الله عنه -: وأن تُقسَم أموالهم[10].
النبي - صلى الله عليه وسلم - يميِّز بين الصغار والبالغين استعدادًا لتنفيذِ حُكم سعد - رضي الله عنه -:
عن عطية القرظي - رضي الله عنه - قال: كنتُ من سَبْيِ بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعرَ قُتِل، ومن لم ينبت لم يُقتَلْ، فكنت فيمن لم ينبت.
وفي لفظ: فكشفوا عانتي، فوجدوها لم تُنبِت، فجعلوني من السَّبْي[11].
تنفيذ الحكم:
قال ابنُ إسحاق - رحمه الله -:
ثم استنزلوا، فحبَسهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة في دار بنت الحارث، امرأةٍ من بني النجار، ثم خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى سوق المدينة، التي هي سوقها اليوم، فخندَق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه أرسالاً، وفيهم عدو الله حُيَي بن أخطب، وكعب بن أسدٍ، رأس القوم، وهم ستمائةٍ أو سبعمائةٍ، والمكثِّرُ لهم يقول: كانوا بين الثمانمائةٍ والتسعمائةٍ.
وقد قالوا لكعب بن أسدٍ، وهم يذهب بهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسالاً: يا كعب، ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كل موطنٍ لا تعقلون؟ ألا ترون الداعيَ لا ينزع، وأنه من ذهب به منكم لا يرجع؟ هو والله القتل! فلم يزل ذلك الدأب حتى فرَغ منهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم"[12].
وفي ذلك يقولُ الله - تعالى -: ﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ ﴾ [الأحزاب: 26]؛ أي: عاوَنوا الأحزاب، وساعَدوهم على حرب المسلمين ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ ﴾ [الأحزاب: 26]؛ أي: من حصونهم، ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴾ [الأحزاب: 26، 27].
المرأة الوحيدة التي قُتِلت من بني قريظة:
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لم يُقتَل من نسائهم - تعني بني قريظة - إلا امرأةٌ، إنها لعندي تحدَّث معي، تضحك ظهرًا وبطنًا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقتل رجالهم بالسيوف؛ إذ هتف هاتفٌ باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا، قلت: وما شأنك؟ قالت: حدثٌ أحدثته، قالت: فانطلق بها فضُرِبت عنقها، فما أنسى عجبًا منها أنها تضحك ظهرًا وبطنًا وقد علمتْ أنها تُقتَل[13].
قال ابن هشامٍ - رحمه الله -:
وهي التي طرحت الرَّحى على خلاد بن سويدٍ، فقتلته[14].
فكان هذا آخر عهد اليهود بالمدينة، وآخرهم بني قريظة، الذين نالوا جزاءَ خيانتهم العظمى، ونقضهم العهد الذي كان بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - وصدق الله - تعالى إذ يقول: ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ﴾ [البقرة: 100].
ثم أسلَم بعضُ بني قريظة وآمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فبقوا بالمدينة.
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: حاربت النضيرُ، وقريظة، فأجلى بني النضير، وأقر قريظة ومَنَّ عليهم، حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم، لحقوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فأمَّنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم: بني قينقاع، وهم رهط عبدالله بن سلامٍ، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة[15].
قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . وفي ذاتِ الرِّقاعِ عُلِمَا
كيفَ صلاةُ الخوفِ . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . .
أي: كانت غزوةُ ذات الرِّقاع[16] في السنة الرابعة من هجرة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم[17]، وفيها نزَل على النبي - صلى الله عليه وسلم - تشريعُ صلاة الخوف[18].
قال ابن إسحاق - رحمه الله -:
"ثم أقام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهر ربيعٍ الآخر وبعض جمادى، ثم غزا نجدًا، يريد بني محاربٍ وبني ثعلبةَ من غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذرٍّ الغِفاريَّ - ويقال: عثمان بن عفان، فيما قال ابن هشامٍ - حتى نزل نخلاً[19]، فلقي بها جمعًا عظيمًا من غطفان، فتقارب الناس، ولم يكن بينهم حربٌ، وقد خاف الناس بعضهم بعضًا، حتى صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف بالناس[20]"؛ اهـ.
وعن صالح بن خواتٍ، عمن شهد رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع صلَّى صلاة الخوف: أن طائفةً صفت معه، وطائفة وِجَاهَ العدو، فصلى بالتي معه ركعةً، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبَت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم[21].
وهذا موقفٌ عجيب حدَث في تلك الغزوة:
عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ذات الرِّقاع، فأصيبتِ امرأةٌ من المشركين، فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قافلاً، وجاء زوجها وكان غائبًا، فحلف أن لا ينتهي حتى يهريق دمًا في أصحاب محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - فخرج يتبع أثر النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - منزلاً، فقال: ((من رجلٌ يكلؤنا ليلتنا هذه؟))، فانتدب رجلٌ من المهاجرين، ورجلٌ من الأنصار، فقالا: نحن يا رسول الله، قال: ((فكونوا بفمِ الشِّعب))، قال: وكانوا نزلوا إلى شعبٍ من الوادي، فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب، قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل أحب إليك أن أكفيكه؟ أوله أو آخره؟ قال: اكفني أوله، فاضطجع المهاجري فنام، وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل عرف أنه رِبِيئة القوم[22]، فرماه بسهمٍ، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، وثبت قائمًا، ثم رماه بسهمٍ آخر، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، وثبت قائمًا، ثم عاد له بثالثٍ، فوضعه فيه، فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهبَّ صاحبه، فقال: اجلس فقد أوتيت، فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذروا به، فهرب، فلما رأى المهاجريُّ ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحان الله، ألا أهببتني! قال: كنت في سورةٍ أقرؤها، فلم أحبَّ أن أقطعها حتى أنفذها، فلما تابع الرمي ركعتُ فأريتك، وايم الله، لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها، أو أنفذها[23].
قوله:
. . . . . . . والقَصرُ نُمِي
وآيةُ الحجابِ، والتَّيَمُّمِ
قيل: ورَجْمُهُ اليَهُوديَّيْنِ
ومولِدُ السِّبطِ الرِّضا الحُسَيْنِ
أي: وكان في السنة الرابعة تشريع قَصر الصلاة.
قلت: وهذا خلاف ما نقله المؤرخون وأهل السير؛ حيث نقلوا أن ذلك كان في السنة الأولى للهجرة.
قال ابن جريرٍ الطبريُّ - رحمه الله -:
"وفي هذه السنة - يعني السنة الأولى من الهجرة - زِيد في صلاة الحضر - فيما قيل - ركعتانِ، وكانت صلاةُ الحضر والسفر ركعتين، وذلك بعد مقدَمِ النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة بشهرٍ، في ربيعٍ الآخر لمضي اثنتي عشرة ليلةً منه، وزعم الواقدي أنه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه[24]"؛ اهـ.
وفي السنة الرابعة - أيضًا - نزلت آية الحجاب، وكان ذلك صبيحة عُرس زينب بنت جحش - رضي الله عنها.
عن أنس بن مالكٍ - رضي الله عنه - قال: أنا أعلمُ الناس بهذه الآية، آية الحجاب: لما تزوَّج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينبَ بنت جحشٍ، صنَع طعامًا ودعا القوم، فقعدوا يتحدثون، فجعَل النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج ثم يرجع، وهم قعودٌ يتحدثون، فأنزَل الله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ﴾ [الأحزاب: 53]، إلى قوله: ﴿ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ [الأحزاب: 53]، فضرب الحجاب، وقام القوم[25].
وفي هذه السَّنة - أيضًا - شُرع التيمم، على ما ذهب إليه الناظم، وقد ذهب بعضهم إلى أن ذلك كان في السنة الخامسة أثناء الرجوع من غزوة بني المصطلق[26].
عن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: خرَجْنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عِقدٌ لي، فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماءٍ، فأتى الناس إلى أبي بكرٍ الصِّديق، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس، وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ، فجاء أبو بكرٍ ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - واضعٌ رأسه على فخِذي قد نام، فقال: حبستِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس، وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ، فقالت عائشةُ: فعاتَبني أبو بكرٍ، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكانُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فخذي، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أصبح على غير ماءٍ، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأولِ بركتكم يا آل أبي بكرٍ، قالت: فبعثنا البعير الذي كنتُ عليه، فأصبنا العِقد تحته[27].
وفي هذه السنة أيضًا رجَم النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهوديَّ واليهودية.
عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أن اليهودَ جاؤوا إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - برجلٍ منهم وامرأةٍ قد زَنَيا، فقال لهم: ((كيف تفعلون بمن زنى منكم؟)) قالوا: نحممهما ونضربهما، فقال: ((لا تجدون في التوراة الرجم؟))، فقالوا: لا نجد فيها شيئًا، فقال لهم عبدُالله بن سلاَمٍ: كذبتم، فَأْتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مِدراسها الذي يدرسها منهم كفَّه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده، وما وراءها ولا يقرأ آية الرجم، فنزع يده عن آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما فرجما قريبًا من حيث موضع الجنائز عند المسجد، فرأيتُ صاحبها يَحني عليها يقيها الحجارة[28].
وقد ذكرها ابن سيد الناس - رحمه الله - ضمن أحداث السنة الرابعة[29].
وفي هذه السنة وُلِد الحسين - رضي الله عنه[30].
قال ابن جريرٍ الطبري - رحمه الله -:
"وفي ليالٍ خلون من شعبان منها - أي: من الرابعة - وُلِد الحسين بن علي من فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم"[31].
|